الوجيز في أحكام الزكاة

 

 

 

سعد الدين بن محمد الكبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ((1)

) يا أيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً ((2).

) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً((3)

 

   أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة، وكل  ضلالة في النار .

   وبعد،

فإن الزكاة عبادة مالية وركن مهم من أركان الإسلام، إذ هو الجانب الاجتماعي في التكافل والتراحم بين أبناء الأمة الإسلامية، والعلم به وبأحكامه وأنواعه وشروطه مدخل إلى إحياء هذه الفريضة المهملة عند كثير من أغنياء المسلمين، وبإحياء هذه الفريضة سيعود المسلمون خير أمةٍ أخرجت للناس إن شاء الله، لأن الزكاة تطهر صاحبها من البخل والشح، وهي دليل على سلامة المجتمع من هذه الآفات التي جعلتهم يلهثون خلف الدنيا ويتركون السعي الحقيقي لرفع مستوى الأمة والبحث عن سبل عزها ونصرها، ولم يخش رسول الله e  على الأمة الإسلامية كما خشي عليها من الافتتان بالدنيا .

وقد حرصت في هذه الرسالة أن أبين الراجح في المسائل، وأذكر الخلاف المهم في بعضها ليتعوّد الطالب والقارئ على ذلك، ويعلم أن في الفقه راجحاً ومرجوحاً بالنظر إلى قوة الأدلة وضعفها، وصحة الاستدلال وخطئه، وأنا في ذلك كله لا أخرج عن أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة المتأيدة بالدليل الصحيح والاستنباط السليم، ولا أدعي في ذلك السلامة من الخطأ، لأنني من جملة البشر، وأعمال البشر يلتصق بها القصور والخطأ في الغالب، فمن وجد في هذا الكتاب منه شيئاً فليسدد وليصوّب وأنا راجع عن كل خطأ، ومن وجد خيراً فليحمد الله فإن الفضل منه لا من سواه .

وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً .

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

                                                      وكتبه
       الفقير إلى عفو ربه

  سعد الدين بن محمد الكبي

   لبنان ـ عكار

        معهد الإمام البخاري للشريعة الإسلامية

 

 

تعريف الزكاة

 

الزكاة لغة: الزيادة والنماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، وتأتي بمعنى التطهير، قال تعالى: )  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ((1)فهي تطهر النفس من الشح والبخل قال تعالى: )   خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ((2).

وشرعاً:حق مالي واجب بأصل الشرع، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في زمن مخصوص .

فقولنا: حق مالي: احترازاً عن الحقوق الأخرى غير المالية .

وقولنا: واجب: احترازاً عن صدقة التطوع .

وقولنا: بأصل الشرع: احترازاً عن الواجب بالنذر واليمين .

وقولنا: في مالٍ مخصوص: وهو الأثمان، والأنعام، والزروع والثمار .

وقولنا: لطائفة مخصوصة: وهم الأصناف الثمانية: الفقراء، المساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل .

فائدة: وقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من هجرة المصطفى e .

 

حكم الزكاة

 

الزكاة ركن من أركان الإسلام ومبانيه العِظام، ثبت بالكتاب والسُّنة، وأجمعت الأمة على ركنيته .

قال تعالى: )  وَأَقِيمُوا الصَّلاةً وَآتُوا الزَّكَاةَ ((1)، وقال تعالى: )  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا((2)،وقال تعالى: )  وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ((3)، والكنز: المال الذي لم تدفع زكاته، فأما إذا دفع زكاته فليس بكنز .

وقال e: » بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله الله وأن محمداً  رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت «(4).

ولحديث معاذ بن جبل t أن النبي e قال له لما بعثه إلى اليمن: » إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم «(5).

 

حكم من أنكر وجوب الزكاة:

وقد ذكر أهل العلم أن من أنكر وجوبها، فإن كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلم والمسلمين، فهو معذور ويعلَّم ولا يكفَّر، وأما من جحد وجوبها من المسلمين، وهو يعيش بينهم، فلا يعذر في ذلك، لأنه معلوم  من الدين بالضرورة، فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثاً ـ يستتيبه الإمام ـ فإن تاب وإلا قتله الإمام، لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة، وأجمعت الأمة على ذلك، ولا يخفى وجوب الزكاة وكونه ركناً من أركان الإسلام حتى على صغار المسلمين لأن القول بوجوبها ظاهر منتشر لا يخفى على من هذا حاله، وقد نصَّ على ذلك أئمة المسلمين كابن قدامة المقدسي(1) والنووي(2) وغيرهما .

 

 

حكم مانع الزكاة بخلاً

 

من امتنع من دفع الزكاة بخلاً مع اعتقاده وجوبها لم يكفر، ولكن تؤخذ منه الزكاة ـ يأخذها الإمام قهراً ـ، فإن كان المانعون طائفة يقاتلهم الإمام حتى يأخذ منهم الزكاة كما فعل أبو بكرٍ t .

   وهل يعزره الإمام بأخذ نصف ماله الذي استحقت فيه الزكاة عقوبةً له على ذلك ؟ اختلف العلماء في ذلك:

1ـ فذهب جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة إلى عدم جواز أخذ المال بالتعزير، وأن ذلك كان مشروعاً في أول الإسلام ثم نسخ .

2ـ وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم إلى العمل بظاهر الحديث، بأن تؤخذ من المانع الزكاة بخلاً، الزكاة المستحقة عليه وشطر ماله الذي منع زكاته، وهو ما ذهب إليه العلاّمة الألباني رحمه الله، والعلاّمة ابن عثيمين رحمه الله .

وقد علّق الشافعي العمل بهذا الحديث على ثبوته كما سيأتي .

واستدلوا بما يلي:

عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:

قال رسول الله e: » في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون، لا يفرق  إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد e منها شيء «(1).

قال النووي رحمه الله:

إسناده إلى بهز بن حكيم صحيح على شرط البخاري ومسلم، وأما بهز فاختلفوا فيه، فقال يحي بن معين: ثقة، وسئل أيضاً عن أبيه عن جده فقال: إسناده صحيح إذا كان دونه ثقة.

وقال علي بن المديني: ثقة (1). وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير: ( 1/ 296): قال الحاكم: صحيح الإسناد لا أعلم خلافاً بين أكثر أهل النقل في  عدالة بهز بن حكيم، وأنه يجمع حديثه . وضعفه الشافعي، ثم قال: لا أعلم له علة غير بهز، والجمهور على توثيقه كما قاله النووي . اهـ .

وقد ذهب البيهقي إلى أنه منسوخ، وأنه كان حين كانت العقوبة بالمال، وقد رد النووي دعوى النسخ فقال: هذا الجواب ضعيف لوجهين:

أحدهما: أن ما ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف .

والثاني: أن النسخ إنما يصار إليه إذا عُلم التاريخ، وليس هنا علم بذلك .(2) اهـ

فالحديث حسن، غير منسوخ، وقد علّق الشافعي العمل به على ثبوته، كما ذكر ابن حجر(3)، ونقل ذلك النووي عن الشافعي(4). وقد حسَّنه من المعاصرين: الألباني في الإرواء برقم ( 791 ) وفي صحيح سنن النسائي برقم (2292) .

 

تنبيه:

فليعلم هؤلاء الأغنياء الذين لا يخرجون زكاة أموالهم، أو يخرجون بعضاً منها مما لا يساوي عشر الواجب عليهم، أنهم آثمون مستحقون للعقوبة والتعزير وأخذ نصف المال الذي استحقت فيه الزكاة، عقوبة لهم بنقيض قصدهم . ألا فليتقوا الله وليعودوا إلى رشدهم ويطهروا أنفسهم من البخل، وأموالهم من الحرام، والبركة من الله تعالى وليست بمنع الزكاة، بل إن منع الزكاة سبب في محق البركة وإتلافه بسبب من الأسباب كما سمعنا ورأينا من الزلازل والفتن والخسائر المادية، فنسأل الله السلامة .

شروط وجوب الزكاة

 

يشترط لوجوب الزكاة شروط:

1ـ الإسلام، وهوشرط صحة لا وجوب، فتجب الزكاة على الكافر(1) ولكنها لا تُقبل ولا تصح منه لقوله تعالى: )  وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ((2).

وفائدة وجوبها عليهم مع عدم قبولها منهم، زيادة عذابهم عليها يوم القيامة، كما قال تعالى: )  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ $ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ$  وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ $ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ $ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ((3).    فعاقبهم الله تعالى على ترك الصلاة مع أنهم كانوا كافرين . فإن أسلم الكافر لم يطالب بها في مدة الكفر .

وأما المرتد، فاختلف أهل العلم في وجوب الزكاة عليه قبل ردته هل تسقط بالردة أم لا ؟

فذهب الشافعي إلى أن الزكاة لا تسقط عن المرتد إن وجبت عليه قبل ردته(4). وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها تسقط عنه بالردة فلا يطالب بما وجب عليه قبل ذلك(5).

والراجح الوجوب، وأنه يطالب بها لأنها وجبت عليه قبل ردته، وصار مال الزكاة من حق بيت المال، وهو سابق على ردته .

2ـ الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد ـ أي الرقيق المملوك ـ لأن العبد لا يملك، بل هو وما يملك لسيده، وقد قال رسول الله e: » من باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع «(6)فجعل ماله لسيده إلا إن اشترطه المشتري.

وقوله: » له مال«، إضافة المال للعبد ليس للملك وإنما للاختصاص  والانتفاع، كما يقال: السرج للفرس(1).

3ـ ملك النصاب: وهو أن يبلغ المال مقداراً معيناً حدده الشارع لوجوب الزكاة، وهذا يدل على حكمة التشريع الإسلامي، حيث أن الزكاة شرعت مواساةً للفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف، والمال إن كان قليلاً دون النصاب لا يتحمل المواساة . وقد دل على اشتراط النصاب، قوله e: » ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة «(2).

والورق: بكسر الراء، الفضة .

وقوله ذود: يطلق على المذكر والمؤنث، والقليل والكثير من الإبل .

وقوله أوسق: جمع وسق، والوسق ستون صاعاً .

4ـ الملك التام: أي أن يكون المال في حيازته وتحت تصرفه، فلا زكاة في حصة الشريك من الربح قبل القسمة وقبضِ حصته من الربح، وأما زكاة الدَّين ففيه تفصيل:

أ ـ أن يكون للإنسان دَيْن على المليء الثقة وهو الغني الذي يدفع المال ولا يجحده، فهذا يزكيه في الحال لأنه مخزون له كأنه في حيازته وملكه، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد(3).

ب ـ أن يكون على غير المليء فلا زكاة فيه حتى يقبضه، فإذا قبضه زكّاه لما مضى لقول عائشة رضي الله عنها: » ليس في الدَّين زكاة حتى يقبضه « (4).

ولقول علي t في الدَّين الذي لا يدري صاحبه يرجع أم لا، قال: » إن  كان صادقاً فليزكه إذا قبضه لما مضى «(5).

ج ـ أن يكون على جاحد، أو غاصب، فهذا يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهو قول الإمام مالك رحمه الله: فقد روى مالك رحمه الله "أنَّ عمر بن عبد العزيز رحمه الله، كتب في مالٍ قبضه بعض الولاة ظلماً، يأمر بردِّه إلى أهله ويؤخذ زكاته لِمَا مضى من السنين، ثم عقّب بعد ذلك بكتاب، أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضماراً "(1). وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي(2).

5ـ مُضي الحول: أي أن يمر سنة قمرية كاملة على وجود المال وهو نصاب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال: » لا زكاة في مال حتى  يحول عليه الحول«(3).

ويبدأ الحول عند اكتمال المال نصاباً، فإذا نزل المال في أثناء الحول عن النصاب سقط الحول، فإذا عاد نصاباً من جديد استأنف حولاً جديداً للحديث .

 

هل تجب الزكاة

 في مال الصبي والمجنون

 

واختلف الفقهاء في وجوب الزكاة في مال الصبي ـ غير البالغ ـ والمجنون الذي لا عقل له، هل تجب في مالهما الزكاة أم لا ؟

فذهب الحنفية إلى أنه لا زكاة في مال الصبي والمجنون، لأن الزكاة عبادة ولا تتأدّى العبادة إلا بالاختيار، ولا اختيار في حق الصبي والمجنون لعدم العقل(1)، وهو مذهب الظاهرية أيضاً والإمام الشوكاني كما في الدرر البهية .

وذهب الجمهور إلى أن الزكاة من حق المال، أي أنها واجبة في المال لا في الذِّمة، وهو حكم مرتب على وجود سبب وهو بلوغ النصاب، فإذا وُجد السبب وجبت الزكاة، ودليل ذلك ما يلي:

1ـ قوله تعالى: )  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ((2).

2ـ قوله e لمعاذ t:

» فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم «(3).

فالحق الواجب أخذه من المال لا من الذِّمة حتى نشترط العقل والبلوغ .

الترجيح: والراجح مذهب الجمهور لأن الزكاة حق واجب في المال لا في الذِّمة، وقد صحَّ عن القاسم أنه قال: » كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة «(4).

 

هل تجب الزكاة في عروض التجارة

 

عروض التجارة: ما يعد للبيع والشراء من السلع .

وقد اختلف الفقهاء في عروض التجارة، هل يجب فيها الزكاة باعتبار أنها مال نامٍ، أم ليس فيها الزكاة لعدم ورود نص صحيحٍ صريحٍ في وجوب الزكاة فيها ؟

فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه تجب الزكاة في عروض التجارة باعتبار أنها مال نامٍ، واستدلوا بأحاديث:

1ـ عن سمرة بن جندب t قال: » أمرنا النبي e أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع «(1).

2ـ عن حِماس قال: مرَّ بي عمر رضي الله عنه فقال: ( يا حماس أدِّ زكاة مالك . فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قومها قيمة ثم أدِّ زكاتها )(2).

وقد ادعى ابن المنذر الإجماع على وجوب الزكاة فيها فقال: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول(3).

  وذهب الظاهرية إلى عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، وإنما تجب الزكاة في المال المستفاد من عروض التجارة إذا حال عليه الحول أشبه المستغلات .

واستدل الظاهرية بما يلي:

1ـ أنه لا دليل يدل على وجوب الزكاة في عروض التجارة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها(4).

2ـ أن الأحاديث التي استدل بها الجمهور ضعيفة لا تقوم بها حجة، فأما حديث سمرة t فضعيف، في سنده جعفر بن سعد وخبيب بن سليمان وأبوه، كلهم مجهولون . وقال الذهبي: ( هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم )، وقال: الحافظ في التلخيص الحبير: ( في إسناده جهالة ) .

وأما حديث حِماس، ففي سنده أبو عمر بن حماس، مجهول كما قال الذهبي في الميزان . فهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة .

3ـ وأما ادعاء الإجماع من ابن المنذر رحمه الله، فقال صديق حسن خان: وهذا النقل ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام(1).

الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور، لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الزكاة في المال عموماً لا سيما النامي منه، إلا ما استثناه الدليل كالفرس المتخذ للقنية والاستعمال، والعبد كذلك، وأما ما كان للتجارة فيندرج تحت النصوص العامة القاضية بوجوب الزكاة . ثم إن القول بعدم وجوب الزكاة في هذا العصر تعطيل للزكاة في أكثر أموال العالم لأن مال الناس في هذا العصر عروض تجارة وأما السيولة فقليلة، ولو كانت كثيرة فإنها لا يحول عليها الحول عند كثير من الناس . وفي ذلك تعطيل للزكاة في أكثر أموال الناس .

وقد دل على وجوب الزكاة في عروض التجارة ما يلي:

1ـ ما رواه الشافعي في الأم بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: » ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة « .

2ـ ما استدل به البخاري رحمه الله بقول النبي e: » وأما خالد فقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله « .

ووجه الاستدلال به: أن السلاح ليس فيه زكاة ما دام للقنية والاستعمال،  فأما إن كان للتجارة ففيه الزكاة، لذلك قالوا عن خالد t: »منع الزكاة« فبين لهم الرسول e أنه أوقفها في سبيل الله، وإلا لوجب فيها الزكاة .

3ـ قال البخاري رحمه الله: قال الزهري في: المملوكين للتجارة: ( يُزكي في التجارة ويُزكي في الفطر )(1).

 

متى يصير المال عرضاً للتجارة:

ولا يصير المال عرضاً للتجارة إلا بشرطين:

1ـ أن يكون قد امتلكه بسبب مباح، سواء بعوض أو بغير عوض .

2ـ أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة .

قال في المغني(2): فإن لم ينوِ عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وإن نواه بعد ذلك، وإن ملكه بإرث وقصد أنه للتجارة لم يصر للتجارة لأن الأصل القنية، والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له الحكم بدون الفعل .

قال: وعن أحمد رواية أخرى أن العرَض يصير للتجارة بمجرد النية .

 

الحول والنصاب في عروض التجارة:

1ـ يعتبر الحول في وجوب الزكاة في عروض التجارة، ولا ينعقد الحول حتى يبلغ نصاباً .

2ـ يعتبر النصاب في جميع الحول، فإذا نقص في أثناء الحول، ثم زاد حتى بلغ نصاباً استأنف الحول، وإن كان العَرَض الأول ليس بنصاب وكمل بالثاني نصاب، فحولهما من حين ملك الثاني .

 

 

 

 

اختلاف العلماء في اعتبار النصاب في الحول:

1ـ قال أبو حنيفة: يعتبر النصاب في طرفي الحول دون وسطه .

2ـ وقال مالك: ينعقد الحول على مادون النصاب، فإذا كان في آخره  نصاباً زكّاه .

3ـ وقال البغوي: زكاة التجارة تجب في القيمة، ولا يمكن ضبطها  في  جميع  الحول، فروعي آخر الحول فيها .

4ـ وذهب الجمهور إلى أن النصاب شرط في جميع الحول، فإذا نقص النصاب في أثناء الحول انقطع الحول، فإذا رجع نصاباً استأنف حولاً جديداً .

 

الترجيح: والراجح مذهب الجمهور، لأن الزكاة تجب بشروطها، ومنها:

وجود النصاب ومرور الحول على النصاب، فإذا نزل المال عن النصاب لم يعد مكلفاً بالزكاة لفقد شرط الوجوب، فإذا عاد المال نصاباً من جديد استأنف حولاً جديداً لتحصيله الشروط من جديد . والله أعلم .

وأما التاجر الذي لا يعلم هل ينزل ماله ـ عروض التجارة ـ عن  النصاب في أثناء الحول أم لا، فينبني على الأصل وهو بقاء النصاب، لأنه ـ أي وجود النصاب ـ متيقن ونزوله عن النصاب مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك، فيكون العمل في هذه الصورة على ما ذكره البغوي رحمه الله تعالى .

 

كيف تقوّم عروض التجارة

 

إذا بلغت عروض التجارة نصاباً وحال عليها الحول وهي نصاب، قوّمها صاحبها وأخرج زكاتها ولكن هل تقوّم بالأصل الذي اشتُريت به أم بالأحظ للمساكين ؟ اختلف الفقهاء .

1ـ ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها تقوّم بالأحظ للمساكين من ذهب أو فضة، يعني إذا حال الحول على العروض وقيمتها بالفضة نصاب ولا تبلغ نصاباً بالذهب، قوّمها بالفضة ليحصل للفقراء منها حظ وبالعكس .

2ـ وذهب الشافعي إلى