صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

 

 

جمع وإعداد

سعد الدين بن محمد الكبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ((1).

) يا أيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً  واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً ( (1).

) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً( (2).

   أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثةٍ بدعة وكل   بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار .

 

وبعد، فإن الصلاة عبادة من أجلِّ العبادات وأرفعها، وأكثرها تحقيقاً للإيمان وزيادته، بل قد سمّاها الله عز وجل إيماناً بقوله: )  وما كان الله ليضيع إيمانكم ( (1). يعني صلاتكم .

وجعل الشارع سبحانه وتعالى لها مفتاحاً، وهو الوضوء فقال e: » مفتاح الصلاة الوضوء « (2).

وقد سمي الطهور مفتاحاً، لأن الحدث مانع من الصلاة، كالقفل موضوع على المحدث، حتى إذا توضأ انحل الغِلق .

والوضوء يكفر الذنوب، ويحط الخطايا، وينقي الأعضاء من الأدران، وقد علّق الشارع ترتيب الأجر والثواب على الوضوء، على موافقة الصفة الشرعية، والهدي النبوي، كما قال e:

 » من توضأ كما أُمر وصلَّى كما أُمر، غُفر له ما قدَّم من عمل « (3). فدل الحديث بمفهومه أن من توضأ خلاف ما أُمر ـ أي في الصفة الشرعية والهدي النبوي ـ لم يغفر له ما قدَّم من عمل .

ومن هنا، كان لا بد للمسلم أن يتحرّى صفة وضوء النبي e ليكون محققاً في هذه العبادة، التأسي العام، المأمور به في قوله تعالى: )  وإن تطيعوه تهتدوا ( (1)ولينال الأجر والثواب المعلّق على الأمر الشرعي والصفة الشرعية التي بيّنها رسول الله e .

لذلك ومساهمةً في حمل المسلمين على التأسي بنبيهم e في هذه العبادة العظيمة ـ الوضوء ـ جمعت هذه الرسالة، واقتصرت فيها على النصوص الشرعية النبوية، ولم أزد عليها إلا هذه المقدمة، والأبواب التي تعين القارئ على فهم المراد، والله المستعان في ذلك وعليه التكلان، وهو سبحانه المؤمَّل في جعل هذه الرسالة مقبولةً عنده، محققةً للغرض من جمعها وإعدادها، فهو ولي ذلك والقادر عليه .

وصلى الله وسلم وبارك على حبيبنا وقائدنا وسيدنا نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

 

 

الوضوء يكفِّر الذنوب

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e :    » إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ ـ أَوِ الْمُؤْمِنُ ـ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ ـ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ـ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ ـ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ـ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ«    (1)

 

 

الوضوء يكفِّر الصغائر

دون الكبائر

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ يَقُولُ: » الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ «(1).

تكفير الذنوب مشروط بموافقة

وضوء النبي e

عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ t قال : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ:     »  مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَكَانَتْ صَلاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً «(2).

وعن أبي أيوب الأنصاري t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ:»  مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ « (1).

وعن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ t، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ e فَقَالَ: » إِنَّهَا لا تَتِمُّ صَلاةٌ لأَحَدكم حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى «(2).

وعن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ t يُحَدِّثُ عَنِ رسول الله e أنه قال:» مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عز وجل فَالصلَوَاتِ الخَمس كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ «(3).

تعليم الوضوء

وقد تعلّم النبي e الوضوء، فقال: » علَّمني جبرائيل الوضوء «(4).

 

وجوب الوضوء للصلاة

وكان يقول لأصحابه: » لا يقبل الله صلاة إلا بطهور «(1).

وقال: » لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ «(2).

وقال:»     إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلاةِ «(3).

استحباب الوضوء لكل صلاة

وكان رسول الله e يتوضأ لكل صلاة (4).

جواز أن يصلي الصلوات الخمس

بوضوء واحد ما لم يُحدث

وصلّى رسول الله e يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر t : فعلت شيئاً لم تكن تفعله؟ فقال:

» عمداً فعلته يا عمر «(1).

الماء الطهور المباح

وكان رسول الله e إذا أراد أن يتوضأ يطلب الماء الطهور، فيقول لأصحابه رضي الله عنهم:   » هل مع أحد منكم ماء «(2).

وقال للمغيرة t : » أمعك ماء « (1)، وكان أحياناً يؤتى بالماء من غير طلب، فقد اتَّبعه المغيرة t يوماً بإداوة فيها ماء (2).

وربما وُضع له وَضوءه وسواكه(3)، أو أُتي بميضأة(4)، وربما قام إلى شنٍ معلَّق فتوضأ(5) .

وأُتي مرةً بتَورٍ (طست) فأدخل يده ، فتفجر الماء من بين أصابعه وقال لأصحابه: » حيّ على الطهور، والبركة من الله عز وجل «(6).

 

الوضوء من الأواني

وتوضأ النبي e من تَوْرٍ من صُفْر(1)، ومن مخضب من حجارة(2)، ومن قربة(3) ـ من جلد ـ، ومن إداوة(4) ـ من جلد ـ، ومن قدح(5) ـ من خشب ـ، ومن سطيحة ـ من جلد ـ(6).

 

 

الماء الذي يُتوضأ به

وأباح الوضوء بماء البحر، وقال: » هو الطهور ماؤه الحل ميتته «(1).

وبماء النهر، وقال: » أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دَرَنه شيء ؟ « الحديث(2).

وبماء الثلج والبَرَد،فقال: » اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد «(3). وماء البئر، فقد دعا رسول الله e بسجلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ « (4).

وكان يتوضأ من الماء الذي أصابت منه الهرة(1)، وقال: » إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوّافات «(2).

وكان يتوضأ من فضل أزواجه(3)، وتوضأ مرة من فضل ميمونة رضي الله عنها، فقالت له: إني كنت جنباً، فقال: » إن الماء لا يُجنب « (4).

وربما توضأ هو وزوجته جميعاً من إناء واحد(5).

عدم الإسراف بالماء

وكان يتوضأ بالمد(6)، وربما توضأ بأقل من ذلك، فقد أُتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد فتوضأ(7)، وقال: » إنه سيكون في هذه الأمةقوم يعتدون في الطهور « (1).

النيّة في الوضوء

وقال e: » إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ  امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ «(2).

التسمية عند الوضوء

وأوجب التسمية في أول الوضوء، فقال: » لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه «(3).

 

وقال مرةً لأصحابه: » توضؤا باسم الله «(1).

استحباب غسل الأيدي ثلاثاً

وكان إذا أراد أن يتوضأ غسل يديه ثلاثاً(2)، أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين «(3).

وجوب غسل الأيدي ثلاثاً للمتوضئ

من نوم الليل

ونهى القائم من نوم الليل أن يُدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً،  فقَالَ: »  إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يغسلهـا ثَلاث مـرات، فَـإِنَّهُ لا يَـدْرِي أَيْـنَ بَـاتَتْ يَدُهُ «(3).

 

المضمضة والاستنشاق

وكان e يتمضمض ويستنشق(1)، ويستنثر ثلاثاً(2).

وأمر من توضأ بالمضمضة والاستنشاق، فقال:    » إذا توضأت فمضمض «(3).

وقال e: » إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينثر «(4).

وقالe:» استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً «(5)

وقالe: »إن من الفطرة المضمضمة والاستنشاق«(6).

 

وكان يتمضمض ويستنشق من الكف الذي يأخذ فيه الماء(1). وفي رواية أنه » تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد « (2)وفي رواية: » فمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثاً «(3).

وكان يأخذ الماء لفمه وأنفه بيمينه(4)، وينثر بيده اليسرى(5).

وأمر بالمبالغة في الاستنشاق إلا للصائم فقال:   » وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً «(6).

وكان أحياناً ـ إذا كان متوضئاً ـ فشرب لبناً، مضمض وقال: » إن له دسماً « (1)ولم يتوضأ(2).

وجوب الاستنثار ثلاثاً للمتوضئ

من نوم الليل

وأمر المتوضئ من نوم الليل أن يستنثر ثلاثاً، فقال:» إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه «(3).

غسل الوجه

وكان يغسل وجهه ثلاثاً(4)، يأخذ غرفةً من ماء فيضيفها إلى يده الأخرى فيغسل بها وجهه(5). وربما أدخل يده في الإناء جميعاً فيأخذ بهما حفنةً من ماء فيضرب بها على وجهه، ثم يلقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه(1)، يفعل ذلك ثلاثاً .

وأحياناً يأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء ـ بعد الثالثة(2) ـ فيصبها على ناصيته، فيتركها تستنّ على وجهه(3).

 

تخليل اللحية

وكان إذا توضأ خلَّل لحيته(1)، وفرّج أصابعه(2)، وربما أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال:» هكذا أمرني ربي عز وجل « (3).

غسل اليدين مع المرفقين

ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفةً من ماء فغسل بها يده اليسرى(4).

ويغسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرار(5).

وربما غسل يديه مرتين مرتين(6). أو مرة مرة(7).

 

وربما ذهب ليغسل ذراعيه(1)، وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها(2)، فضاقت به الجبة، فأخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما(3).

تخليل الأصابع

وكان يخلل أصابعه ويقول:» إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَاجْعَلِ الْمَاءَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ «(4).

وقال:» إذا توضأت فخلل الأصابع « (5).

 

 

 

التأكيد على غسل المرفقين

وكان يغسل يده اليمنى حتى يشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى يشرع في العضد(1).

مسح الرأس

ثم مسح برأسه(2)، مسحة واحدة(3).

وربما مسح رأسه مرتين(4)، وربما مسحه ثلاثاً(5).

وربما غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه(1). وفي رواية : » ومسح على رأسه حتى لم يقطر « (2).

كيفية مسح الرأس

وكان يمسح رأسه بيديه، يقبل بهما ويدبر(3)، يبدأ بمقدم رأسه [من ناصيته(4)] ثم يذهب بهما إلى قفاه [مؤخر رأسه(5)] ثم يردهما حتى يرجع إلى المكان الذي بدأ منه(6).

 

 

وربما بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدّمه(1)، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما(2).

وأحياناً يمسح رأسه مسحة واحدة إلى مؤخره(3)، وأحياناً يمسح رأسه كله من قرن الشعر، كل ناصية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته(4).

يأخذ لرأسه ماءً جديداً

ومسح رأسه بماءٍ غير فضل يديه(5).

يمسح رأسه بماء يده

وربما مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده(1).

 

مسح الأذنين مع الرأس

وكان إذا مسح رأسه أمرّ يديه بأذنيه(2)، فيمسح برأسه وأذنيه مرة(3)، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه(4). وفي رواية: فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه «(5) وفي رواية: » مسح أذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما «(1).

وفي رواية: » وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه« (2)

وفي رواية: » فأدخل إصبعيه في جُحري أذنيه «(3).

بيان أن الرأس والأذنين

عضو واحد

وكان يقول: » الأذنان من الرأس« (4)، وقال أيضاً: » فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه « (5).

 

 

 

المسح على العمامة

 

وكان يمسح على العمامة(1)، وأمر سرية من أصحابه ـ لما أصابهم البرد ـ أن يمسحوا على العصائب والتساخين(2).

وربما مسح بناصيته وعلى العمامة(3)، وفي رواية: » مسح بناص&