في أحكام الصيام
إعداد
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ((1)
) يا أيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً ((2)
) يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً((3)
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار .
وبعد،
فإنَّ من فضل الله تعالى على عباده أنه نوَّع لهم العبادات لئلا تملّ النفس من الجري على عبادةٍ واحدة، ولأن حصول التقوى في النفس البشرية يختلف من إنسان لآخر، فبعضهم يصلح حاله بالصلاة، فتجده قائماً متهجداً ومتنفلاً، وبعضهم يكون غافلاً عن التهجد متكاسلاً عن التنفل بالصلاة، إلا أنه يكثر الصوم، ومنهم من تجده غافلاً متكاسلاً عن التنفل بالصلاة والصيام إلا أنه يكثر المتابعة بين الحج والعمرة فيحصل له من التقوى بحسب ذلك، والسعيد التقي النقي من وُفق للجمع بين ذلك كله فكان صوّاماً قوّاماً عابداً فيحصل له من التقوى ما لا يحصل لغيره .
وقد ذكر العلماء أنّ العبادات تنقسم باعتبار تنوعها إلى ثلاثة أقسام:
1ـ عبادة بدنية كالصلاة والصيام .
2ـ عبادة مالية كالزكاة والصدقات .
3ـ عبادة مالية بدنية كالحج والعمرة .
وتنقسم باعتبار آخر إلى:
1ـ كف عن المحبوبات .
2ـ بذل للمحبوبات .
فأما الصوم فهو من العبادات البدنية، وهو من جنس كف النفس عن محبوباتها ومألوفاتها وعاداتها، فيترك الصائم الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات طاعة للرحمن، وتضييقاً على الشيطان، فيحصل له من التقوى وتزكية النفس بحسبه .
ولما كانت العبادة لا يترتب أثرها عليها من حصول الأجر والثواب والتقوى في النفس إلا بشرطين:
الأول: أن تكون خالصةً لله .
الثاني: أن تكون على هدي وسنة رسول الله e .
كان لا بد من معرفة أحكام الصيام وسننه وآدابه ليكون العابد مستجمعاً لشروط الصحة فيها، مستحقاً لحصول التقوى بها .
وتأتي هذه الرسالة لتعينَ المسلمَ على معرفة أحكام الصيام ليكون عاملاً عابداً بعلم لا بجهل وهوى .
وقد حرصت في هذه الرسالة أن أبين الراجح في المسائل، وأذكر الخلاف المهم في بعضها ليتعوّد الطالب والقارئ على ذلك، ويعلم أن في الفقه راجحاً ومرجوحاً بالنظر إلى قوة الأدلة وضعفها، وصحة الاستدلال وخطئه، وأنا في ذلك كله لا أخرج عن أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة المتأيدة بالدليل الصحيح والاستنباط السليم، ولا أدعي في ذلك السلامة من الخطأ، لأنني من جملة البشر، وأعمال البشر يلتصق بها القصور والخطأ في الغالب، فمن وجد في هذا الكتاب منه شيئاً فليسدد وليصوّب وأنا راجع عن كل خطأ، ومن وجد خيراً فليحمد الله فإن الفضل منه لا من سواه .
وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
سعد الدين بن محمد الكبي
لبنان ـ عكار
الصيام لغة: الإمساك، قال تعالى: ) إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ((1)، أي إمساكاً عن الكلام .
وشرعاً: إمساك مخصوص من شخص مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة(2).
فقولنا: إمساك مخصوص: أي عن المفطرات من الأكل والشرب والجماع .
وقولنا: من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل ( ويصح من المميز ) .
وقولنا: في زمن مخصوص: وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
وقولنا: بشرائط مخصوصة: أي بنيّة، وطهارة من الحيض والنفاس .
وقد عرّفه بعض أهل العلم فقال:
هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس(3).
فائدة: وقد فُرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة النبويّة، فصام رسول الله e تسع رمضانات إجماعاً .
فضل الصيام
للصيام فضائل كثيرة، فمنها:
1ـ أنه سبب لحصول التقوى في القلب، كما قال تعالى:
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ((1) .
2ـ ومنها: أنه عبادة السر فلا يدخله الرياء، ولذلك اختص الله العلم بأجره لنفسه كما قال تعالى في الحديث القدسي: » كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به «(2) .
3ـ أن الصوم كاسر للشهوة مهدئ لهما، كما قال e: » ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء «(3) .
4ـ أن الشياطين تضعف عن الصائمين وتحجز عنهم كما في قوله e: » إذا دخل شهر رمضان فُتِّحت أبواب السماء وغُلِّقت أبوب جهنّم وسُلْسِلَتِ الشياطين «(4).
1ـ صَوْمُ عَاشُوْرَاءَ:
أول ما فُرض من الصيام صوم عاشوراء، وذلك حين قدم النبي e المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن سبب صيامهم له فقالوا: هذا يوم صالح، نجَّى الله فيه موسى من الغرق، فقال رسول الله e: » أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر الناس بصيامه « (1).
ثم نسخ الوجوب وبقي الاستحباب، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e صام عاشوراء وأمر بصيامه فلما فُرِضَ رمضان ترك(2).
2ـ فًرْضُ رَمَضَانَ:
وقد فُرض رمضان بقوله تعالى: ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( (3).
3ـ الرُّخْصَةُ فِيْ الإِفْطَارِ:
وكان الذي يطيق الصوم بمشقةٍ إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً لقوله تعالى: ) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ( (4).
4ـ نَسْخُ الرُّخْصَةِ:
ثم نسخت الرخصة وثبتت للشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يستطيعان الصيام أن يُفْطِرا ويُطعِما مكان كل يومٍ مسكيناً .
5ـ مَرَاحِلُ الفُطُوْرِ:
وكان الفطر يباح من غروب الشمس حتى ينام الصائم، فإذا نام حرُم عليه الأكل والشرب والجماع حتى غروب شمس اليوم التالي:
وقد شق ذلك على بعض الصحابة y، فعنِ الْبَرَاءِ بن عازب t قَالَ: »كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ e إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإفطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الإفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ e فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ( فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ:) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ( (1).
والمقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل .
فاستقر الأمر على تحريم الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وإباحة الفطر طوال الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر .
اتفق الفقهاء على أن الشهر يثبت برؤية هلاله أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا كان الطقس صحواً .
واختلفوا فيما لو حال بينهم وبين مطلعه غيم أو قتر(1)ليلة الثلاثين، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يُكمَّل عدة شعبان ثلاثين يوماً لقوله e: » صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً « (2).
وذهب الحنابلة إلى أن من حال بينه وبين رؤيته غيم يصوم احتياطاً للعبادة لقوله e في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:» فإن غمَّ عليكم فاقدروا له «(3) يعني ضيّقوا له العدة، من قوله تعالى:) ومن قُدِر عليه رزقه فليُنفق مما آتاه الله ((4) وتضييق العدة يعني: صوم شعبان تسعة وعشرين يوماً .
واستدل الحنابلة أيضاً بفعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه:» كان ابن عمر إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائماً «(5).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: » لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان «(6).
الترجيح:
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما يلي:
1ـ قوله e : » فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً « (1).
2ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله e: » إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين « (2).
3ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e : » لا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ « (3)
ويجاب عن فعل ابن عمر وقول عائشة y:
1ـ أنه مخالف للمرفوع من قوله e ، فإذا تعارض الموقوف والمرفوع قُدِّم المرفوع .
2ـ أن الصحابي إذا روى حديثاً عن النبي e ثم أفتى بخلاف ما روى فالعبرة بما روى لا بما رأى، لأنه قد ينسى ما روى فيفتي بخلافه، وقد تقرر في الأصول: أن العبرة برواية الراوي لا برأيه .
3ـ أن عائشة رضي الله عنها روت خلاف رأيها، فعنها رضي الله عنها قالت: » كان رسول الله e يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمَّ عليه عدَّ ثلاثين يوماً ثم صام « (4)
وإذا كان رمضان يثبت برؤية هلاله، وجب على إمام المسلمين أو من ينوب عنه أن يكلِّف من يتراءى الهلال لأن صوم رمضان واجب ولا يتم إلا بالتراءي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
ويستحب لسائر الناس أن يتراؤا الهلال لحديث ابن عمر t قال: » تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي e أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه « (1)
وقد استفاد العلماء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يلي:
1ـ أن رمضان يثبت برؤية شاهد عدل واحد .
2ـ أن الرؤية تثبت وتقبل من الذكر والأنثى والحر والعبد لقول ابن عمر رضي الله عنهما: » تراءى الناس « ولفظ الناس يفيد العموم .
3ـ أن ثبوت الشهر متعلق بالإمام، فإن أقرّ الرائي وجب الصيام على الجميع، وإن ردَّه وجب الصوم على الرائي وحده لثبوت الشهر في حقه دون الإمام وسائر الأمّة .
4ـ أنه يجب على ولاة الأمور إشاعة خبر الصوم والفطر ليقوم الناس بما يجب عليهم من الصيام .
والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم أنه تكفي رؤية بلد لجميع البلاد ولا يشترط لكل بلد رؤية مستقلة لعموم قوله e: » إذا رأيتموه فصوموا وإن رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له « (1).
وهذا خطاب لجميع الأمة . ويدل على ذلك أيضاً قوله e: » الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تُضحون « (2).
مسألة (1): إذا رؤي الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة سواء رأوه قبل الزوال أو بعده وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، لما روى البيهقي والدارقطني بإسناد صحيح عن شقيق بن سلمة قال: » أتانا كتاب عمر t ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس(3).
وذهب محمد ـ أبو يوسف ـ والثوري إلى التفريق بين ما إذا رأوه قبل الزوال فلليلة الماضية، أو بعده فللمستقبلة .
واحتجوا بما رواه البيهقي عن إبراهيم النخعي أنه قال:
» كتب عمر t إلى عتبة بن فرقد: إذا رأيتم الهلال نهاراً قبل أن تزول الشمس لتمام الثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعدما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تصوموا « . وهو ضعيف، منقطع، فإن إبراهيم النخعي لم يدرك عمر ولا قارب زمانه(4).
مسألة (2): ومن لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا بعد طلوع الفجر ولم ينو من الليل أنه إذا كان غداً من رمضان فأنا صائم، فعليه أن يمسك عن المفطرات، ويقضي يوماً مكانه لكونه لم ينوه من الليل، لقوله e: » من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له «(1)وهو مذهب الجمهور . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا قضاء عليه، مستدلين بما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع t: » أن النبي e بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء: إنَّ من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل «(2)فلم يأمرهم بالقضاء فدل على عدم وجوب القضاء عليهم .
الترجيح:
والراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من وجوب القضاء لما يلي:
1ـ أن هذا الحديث وارد في صوم عاشوراء في يوم فرضه، وقبل يومهم هذا لم يكونوا يعلمون بوجوبه مع علمهم بأن غداً عاشوراء، والتكاليف الشرعية لا تجب قبل بلوغها المكلفين، فهذا كمن أسلم أو بلغ أثناء النهار فلا يلزمه القضاء ويجب عليه الإمساك .
2ـ أن الجمع بين الأحاديث أولى من العمل بالبعض وترك البعض الآخر، وطريقة الجمع أن يقال: من علم بدخول رمضان أثناء النهار فليمسك بقية يومه ولا صيام له لأنه لم ينوه من الليل، وإذا لم يحكم بصيامه شرعاً وإن وجد منه حسّاً فعليه القضاء*.
يجب صوم رمضان على المسلم(1) البالغ(2) العاقل(3) المطيق للصوم، المقيم .
صوم الصبي المميز:
يصح الصوم من الصبي المميز، بل يجب على وليه أن يأمره به إن كان مطيقاً للصوم ليعتاد عليه، لحديث الرُبيّع بنت معوّذ رضي الله عنها قالت: » كنا نصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار « (4)
فأما الطفل ـ وهو من دون سن التمييز ـ فلا يصح منه الصوم، لأن الصوم عبادة يشترط لها النية ولا نيّة له .
العاجز عن الصوم:
فأما العاجز عن الصوم لكبَر سنه كالشيخ الكبير والمرأة العجوز، أو لمرضٍ لا يُرجى زواله، أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليه، لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى:) وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ( قال ابن عباس: » ليست بمنسوخه، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كل يوم مسكيناً «(5).
الحامل والمرضع:
وأما الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على أولادهما أفطرتا وأطعمتا ولا قضاء عليهما، وهو ما ذهب إليه ابن عمر وابن عباس y ، فقد أخرج الطبري (2758) عن ابن عباس y قال: » إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران، ويطعمان مكان كل يومٍ مسكيناً ولا يقضيان صوماً « (1).
وروى الطبري أيضاً (2761) عن ابن عباس رضي الله عنهما:
» أنه رأى أم ولد له حاملاً أو مرضعاً فقال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، عليك أن تطعمني مكان كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليك « .
ورواه الدارقطني (250) بلفظ:
» أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء « (2).
وروى الدارقطني أيضاً من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: » أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي « (3).
وهو مذهب سعيد بن جبير أيضاً،(4) وإسحاق بن راهويه(5).
وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: ) وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ( بأنها أثبتت للحامل والمرضع(6).
وروى الترمذي(1) وغيره عن أنس بن مالك _رجل من بني عبد الله بن كعب_ قال: أغارت علينا خيل رسول الله e، فأتيت رسول الله e فرأيته يتغدّى، فقال: » ادن فكل « فقلت: إني صائم، فقال: » ادن أحدثك عن الصوم: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل ـ أو المرضع ـ الصوم ـ أو الصيام « .
قال: والله لقد قالهما النبي e كليهما أو أحدهما، فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي e .
المريض الذي يرجى شفاؤه:
والمريض الذي يرجى شفاؤه، كأن يكون مرضه عارضاً، يفطر ويقضي الصوم إذا شفي ولا كفارة عليه، لقوله تعالى: ) فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر ( (2).
المسافر:
وأما المسافر، فإن كان سفره مباحاً كتجارة، وزيارة قريب، وكل سفر مباح، فله الفطر وعليه القضاء دون الكفارة، لقوله تعالى: ) أو على سفر فعدة من أيام أخر ( (3).
وأما إن كان سفره محرماً، كالسفر للغصب، أو الزنى أو لقتل معصوم، فلا يباح له الفطر لأنه سفر في معصية فلا يُرخص له الفطر، لأن الفطر رخصة، والرخص لا تستباح بالمعاصي .
متى يباح الفطر للمسافر:
واختلف الفقهاء متى يباح الفطر للمسافر على أقوال:
1ـ ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن المسافر إذا بدأ السفر بالليل وفارق عمران البلد قبل الفجر فله الفطر، وأما إن فارقها بعد الفجر فليس له الفطر(1).
2ـ وذهب أحمد وإسحاق والمزني إلى أن له الفطر في ذلك اليوم(2)، واشترطوا مفارقة بيوت القرية العامرة، ولأنه قبل ذلك لا يسمّى مسافراً(3).
3ـ وذهب شيخ الإسلام والشوكاني إلى أن له الفطر في ذلك اليوم في بيته قبل أن يخرج(4).
الترجيح:
والراجح الذي يؤيده الدليل، هو القول الثالث لما يلي:
1ـ عن جعفر بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري t، صاحب النبي e