حتى تكون أعمالنا
صواباً

إعداد

د/ سعد الدين بن محمد الكبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

أما بعد،

فإن الصواب في العمل مطلب شرعي دل عليه قوله تعالى: ) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ( وأحسن العمل أخلصه وأصوبه .

واللام في قولـه: ليبلوكم: للتعليل وبيان الحكمة من الخلق، وهي حُسْنُ العمل وصوابُ العبادة كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( .

والصواب في العمل يحبه الله U، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان بسند حسن من حديث الحسين بن علي t أن رسول الله e قال: » إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يُحسن « .

والمسلم العاقل يعمل العمل وهو يريد ثمرته في الدنيا والآخرة، والثمار لا تخرج إلا باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع .

 

تعريف

 

الأعمال في قولنا: ( حتى تكون أعمالنا . . . ) جمع عمل، وهو جمع مضاف يفيد العموم، فيدخل فيها عمل اللسان وسائر الجوارح، كما يدخل فيها العبادات، والعادات، والعقود والمعاملات .

فإن كان العمل عبادة، فيشترط لصحته تحقيق شروط الصحة، وانتفاء موانع الفساد والبطلان، فإن كانت كذلك كانت العبادة صحيحة يترتب عليها آثارها، كالأجر والثواب، وبراءة الذمة من التكليف .

وإن كان العمل عادةً فيشترط في إباحته أن يخلو من التنصيص على إلغائه من الشارع، وأن يخلو من آفة التشبه .

وإن كان العمل عقداً أو معاملة فيشترط لصحته وجود شروط الصحة وانتفاء الموانع حتى يترتب عليها آثارها من لزوم العقد، وانتقال الملك، وملك الثمن أو المثمن .

والصواب لغة: ضد الخطأ .

واصطلاحاً: ما وافق الشرع وكان على السنة .

 

 

شروط الصواب في العمل الشرعي

1ـ أن يكون العمل مبنياً على الدين:

والعمل الشرعي لا يكون صواباً حتى يكون مبنياً على الدين .

والدين لغةً: الطاعة، تقول: دان له يدين ديناً: أي أطاعه . [مختار الصحاح 146] .

واصطلاحاً: فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمّى ديناً [التعريفات للجرجاني 105] .

فالدين بهذا المعنى مبني على الكتاب والسنة الصحيحة.

البدع لا تسمى ديناً :

ـ فالبدع لا تسمّى ديناً بالمعنى المتقدم، وإن كانت تسمى ديناً لغةً باعتبار أنها تطاع من أهل البدع، كما قال تعالى: ) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( فسمّاه ديناً باعتبار أنهم يطيعونه ويتبعونه، ولا يسمّى ديناً شرعاً لأنه لم يأذن به الله بكونه ديناً .

2ـ أن لا يبنى على البدع:

وعلى هذا فكل عملٍ يؤسَّس على البدع لا يكون صواباً، عبادة كان أم غير ذلك، لأن الابتداع في الدين استدراك على الشريعة، وهذا ما فهمه أصحاب النبي e .

كما صحّ عن ابن مسعود t أنه قال: » اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم «

[ أبو خيثمة في العلم 54 ] .

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: » كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنة « [ اللالكائي رقم 126 وابن نصر في السنة رقم 70 بسند صحيح ] .

وقد حكم الصحابة y والتابعون رحمهم الله، على الأعمال المبنية على البدع بأنها خطأ مجانبة للصواب .

أ ـ فقد روى الترمذي بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً عطس إلى جنبه، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ما هكّذا علمنا رسول الله e، علمنا أن نقول: » الحمد لله على كل حال « .

ب ـ ودخل ابن عمر رضي الله عنهما مسجداً يوماً، فثوّب المؤذن [ أي التثويب المبتدع ] ـ وهو قول المؤذن قبل إقامة الصلاة: الصلاة يا مسلمون، الصلاة الصلاة، يقول ذلك على باب المسجد تذكيراً للناس بقرب الإقامة ـ فلما ثوّب المؤذن التثويب المبتدع، خرج ابن عمر رضي الله عنهما من المسجد وقال أخرجتني البدعة .[ الترمذي ]

ج ـ وقول ابن مسعود t لما رأى قوماً حلقاً يسبحون الله بالحصى، قال لهم:

إما أنكم على ملةٍ أهدى من ملة محمد e أو مفتتحوا باب ضلالة

[ رواه الدارمي بسند حسن ]

وقال الراوي في آخر القصة: ( فرأينا أكثر الذين كانوا في الحِلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج ) .

بدعة صغيرة في نظر القوم، أدت بهم إلى الخروج عن أهل السنة والجماعة بل قتال أهل السنة والجماعة .

د ـ وروى البيهقي في السنن عن سعيد بن المسيب رحمه الله: أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة .

*وقد ذمّ العلماء البدعة وحاربوها، فقد نقل ابن الماجشون عن مالك رحمه الله أنه قال:

1ـ من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً e خان الرسالة،

لأن الله تعالى يقول: ) اليوم أكملت لكم دينكم (  فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً [ الاعتصام للشاطبي 1/ 111 ] .

2ـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: العبادات والديانات والتقربات متلقاه عن الله ورسوله e، فليس لأحدٍ أن يجعل شيئاً عبادةً أو قربةً إلا بدليل شرعي . [ الفتاوى 31/ 35 ] .

3ـ وقال ابن القيم رحمه الله: الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر [ إعلام الموقعين 1/ 344 ] .

4ـ وقال ابن كثير رحمه الله: وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء . [ تفسير ابن كثير 4/ 401 ] .

5ـ وقال الذهبي رحمه الله: كل ما أُحدث بعد نزول هذه الآية ) اليوم أكملت لكم دينكم ( فهو فضلة وزيادة وبدعة . [ سير أعلام النبلاء (18/ 509 ) ] .

6ـ وقال ابن حجر: البدعة في عرف الشارع مذمومة بخلاف اللغة

 [ الفتح/ 13/ 252 ـ 254 ] .

7ـ وقال ابن رجب: ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع  اللغوية لا الشرعية [ جامع العلوم والحكم 233 ] .

 

3ـ أن لا يبنى على الرأي والقياس المصادم للنص:

وكما أن البدع لا تسمى ديناً شرعا، فما بني عليها يكون باطلاً، كذلك ما بُني على الرأي المحض والقياس الفاسد لا يكون صواباً، وقد ذمّ السلف الرأي المحض، والقياس المصادم للنص،

أ ـ فقد قال الشعبي: ( لعن الله أرأيت ) [ إعلام الموقعين 1/ 73 ] .

ب ـ وقال صالح بن مسلم: سألت الشعبي عن مسألة في النكاح فقال: ( إن أخبرتك برأيي فبل عليه ) [ إعلام الموقعين 1/73 ]

فهذا قول الشعبي في رأيه، وهو من كبار التابعين، وقد لقي مائةً وعشرين من الصحابة وأخذ عن جمهورهم .

فما قول الشعبي في رأي منظري عصرنا ممن هم على منهج مفتي الخنفشار الذي سئل عن النعناع فقال: شجر يُصنع من خشبه السلالم .

ج ـ وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت حمّاد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختياني: مالك لا تنظر في الرأي ؟ فقال أيوب: قيل للحمار مالك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل . [ إعلام الموقعين 1/ 75 ] .

د ـ وقد كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الناس: " إنه لا رأي لأحد مع سنةٍ سنها رسول الله e " [ إعلام الموقعين 1/ 74 ] .

هـ ـ وقال الأوزاعي رحمه الله: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول . [ إعلام الموقعين 1/ 75 ] .

وقد اتفق العلماء أنه لا اجتهاد في مورد النص، بل قعّد العلماء قاعدة: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص . أي أنه لا يجوز الاجتهاد باستعمال الرأي والقياس فيما ورد فيه نص شرعي من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ صحيحٍ ثابت .

ومن تطبيقات هذه القاعدة:

1ـ أنه ورد النص بتحريم الربا، فلا يجوز الاجتهاد في حله .

فلو سمّي الربا فائدة، أو هبة أو جائزة فتغيير الأسماء لا يغير من حقيقة الحكم الشرعي شيئاً لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني .

2ـ ومنها: أنه ورد النص بأن للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، فلا يجوز الاجتهاد بإعطاء الذكر كنصيب الأنثى .

3ـ ومنها: أن الشرع قضى بتحريم الجلوس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر، فقد روى أحمد عن عمر t عن النبي e أنه قال: » من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر « .

فلا يباح الجلوس عليها وإن أفتى بعض من ينتسب إلى العلم بحل ذلك للحاجة أو المصلحة، وسنبين بعد قليل إن شاء الله تعالى ضوابط ما يباح للحاجة والمصلحة .

وقد ذكر الله في صفات عباد الله بأنهم لا يشهدون الزور، فقال: )  والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مروا كراماً ( [ الفرقان/ 72 ] .

وقد تكلم الشوكاني رحمه الله على معنى الزو ر في  فتح القدير ( 4/89 )، وذكر أقوال العلماء، ثم قال: والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل المراد لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائناً ما كان .

وقال الشيخ السعدي في تفسيره: أي لا يحضرون الزور، أي القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة، والنميمة، والسب، والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش الحرير والصور ونحو ذلك .

إذن، لا يجوز الاجتهاد في مورد النص، ومتى فعلنا ذلك نكون قد وقعنا في الخطأ والباطل وجانبنا الصواب .

وقد ذكر العلماء متى يجوز للعالم أن يجتهد، فمنها:

1ـ إذا غلب على ظن المجتهد عدم وجود النص بعد البحث .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( لا يجوز الحكم بالقياس قبل الطلب التام للنصوص، إلا إذا أيس من الظفر بنصٍ، بحيث يغلب على ظنه عدمه، فهنا يجوز بلا تردد ) . [ المسوّدة في أصول الفقه 370 ] .

2ـ إذا ضاق الوقت:

قال أبو الخطاب: من نزلت به حادثة، وكان فيها قاضياً أو مفتياً أو مجتهداً لنفسه، وضاق عليه الوقت، وجب عليه أن يقيس وينظر .

قال شيخ الإسلام: هذه مسألة كبيرة، وقد نص أحمد على وجوبه على الإمام والحاكم . [ المسوّدة 371 ] .

4ـ أن لا يكون العمل مبنياً على اتباع الهوى:

ومن أسباب مجانبة الصواب في الأعمال الشرعية، ما بُني منها على اتباع الهوى، وقد أنكر الله على المشكرين لاتباعهم الهوى قال تعالى: ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ( [ النجم 23 ] وأمر نبيه e أن يحكم بالحق ولا يتبع الهوى كما قال تعالى: ) فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ( [ص 26 ] .

فقد يكون الهوى منصباً، أو زعامة، فيُردي صاحبه ويُسقطه .

وقد يكون الهوى تعالماً يؤدي بصاحبه أو أحياناً بالدعوة عموماً إلى السقوط المبكّر، ولذلك فقد حذر العلماء من التصدر قبل التأهل قال الشافعي رحمه الله:     ( وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة ) [ التعالم 6 ] .

وقال ابن حزم: ( لا آفّة على العلوم وأهلها أضرَّ من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يُصلحون )

[ التعالم 7 ] .

وذكر مالك أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك ؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، لكن اسْتُفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم .

وقال ربيعة: بعض من يفتي ههنا أحق بالحبس من السرّاق . [ بدائع الفوائد، وإعلام الموقعين، انظر التعالم 32 ] .

والمتصدرون قبل التأهل هم المتجرأون على العلم، وهم فيما يظهر نوعان .

النوع الأول: المفرطون في العمل والالتزام ممن يعلو وجوهَهم ذلُ المعصية، والافتقارُ إلى السمت الصالح والهدي الحسن، فكم من متصدر للعلم في أيٍ من مجالاته وهو " قَرَنْدَلٌ " أي حالق لحيته، متختم بالذهب، شارب للتبغ، يقيم ليله على مشاهدة التلفاز، وينام عن صلاة الفجر، بل لا يشهد الجماعة إلا قليلاً .

و رضي الله عن أمير المؤمنين علي حيث قال: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .

وقال بعضهم: العلم دعوى، والعالم مدعٍ، والعمل شاهد، فمن أتى بشهود دعواه صحت للمسلمين فتواه . [ التعالم 28 ] .

ورحم الله شيخ الإسلام حيث قال: والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالماً مجتهداً، عالماً مجتهداً [ الفتاوى 27/296 ـ 297 ] .

ورحم الله سفيان حيث قال: تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، ومن فتنة العالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة لكل مفتون . [ التعالم 28 ] .

النوع الثاني: المفرطون في العلم، المقصّرون فيه، ممن لا يعرفون كلمة لا أدري ولا يوجد في قاموسهم لفظ: لا أعلم، لا سيما في المسائل الكبار، والمشكلات النوازل، بل ربما طعنوا في العلماء لأن كلام أهل العلم خالف هواهم فجمعوا بين باطلين: ضعف ظاهر ودعوى عريضة . فنعوذ بالله أن يجتمع على أهل العلم، حشفٌ وسوءُ كيله . والحشف: التمر الرديء .

 

 

 

لذلك، ينبغي أن نتنبه لعدة أمور:

1ـ أن أصل الشرك وأساس البدع، ومكمن الخطأ في الأمة من القول على الله وفي دين الله بلا علم، كما قال تعالى: ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( .

2ـ أن نِصْفَ العلم: لا أدري، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( من علم فليقل به، ومن لم يعلم فليقل لا أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم )

وقد سئل كثير من أهل العلم عن مسائل فأجابوا فيها: لا أعلم، سئل الإمام مالك عن مسألة فأجاب فيها بلا أعلم، فقيل له: مالك وتقول لا أعلم؟ قال: نعم، وأخبر من وراءك أني لا أعلم .

وعلَّق الإمام الشافعي رحمه الله القول في مسائل كثيرة على صحة الحديث وتوقف فيها .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمه الله: كنت أسمع أبي كثيراً يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيراً ما كان يقول: سل غيري، فإن قيل له: من نسأل ؟ قال: سلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه .

قال: وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ويقول: من يحسن هذا ؟ [ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد 120 ] .

وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا، أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه . [ إعلام الموقعين  1/34 ] .

وقال أبو الحصين : إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب t لجمع لها أهل بدر [ شرح السنة 1/ 305 ] .

 

5ـ أن لا يكون مبنياً على العواطف والحماس المجرّد عن العلم:

ومن أسباب مجانبة الصواب في الأعمال ما بُني منها على الحماس المجرد عن العلم والفهم، مِمَّن يفكرون بعضلاتهم لا بعقولهم، ويبنون أعمالهم على تصورهم وواقعهم لا على واقع الأمة، فيحصل منهم بسبب إنكارهم للمنكرات ما هو أبغض إلى الله ورسوله، ولذلك فقد أصّل العلماء وضبطوا وجوب إنكار المنكر، فقد قال شيخ الإسلام:

فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب أو فعل محرم . [ الفتاوى العراقية 257 ] .

وقال ابن القيم: النبي e شرع لأمته إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله . [ إعلام الموقعين 3/4 ] .

6ـ أن يكون العمل مبنياً على دليل صحيح:

ومما يُشترط في العمل حتى يكون صواباً، بناؤه على دليل صحيح، احترازاً عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإنه لا يجوز اعتقاد نسبتها إلى رسول الله e فضلاً عن العمل بها، على أن الذين ذهبوا إلى جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال اشترطوا في ذلك ثلاثة شروط:

1ـ أن يكون الضعف غير شديد .

2ـ أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به في الشريعة .

3 أن لا يُعتقد عند العمل به ثبوته .

وقد ذهب يحي بن معين وأبو بكر ابن العربي وابن حزم، والبخاري، ومسلم، إلى عدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً لا في الفضائل ولا غيرها . وقد عقد الإمام مسلم في مقدمة صحيحه باباً في النهي عن رواية الضعفاء . وهو الراجح من أقوال أهل العلم، الموافق للدليل، واختصاراً للوقت فإني أحيل القارئ على مقدمة صحيح مسلم ليطَّلِعَ على الأدلة التي ذكرها في هذا الباب .

7ـ الخطأ في الاستدلال:

ومن أسباب مجانبة الصواب في الأعمال الشرعية: الاستدلال بالأدلة استدلالاً خاطئاً .

وقد انقسم الناس في الاستدلال من حيث الجملة إلى ثلاثة أقسام: وقولي انقسام الناس في الاستدلال أعني به من أعلنوا التحرر من أسر المذهبية الضيقة وإلا فإن المقلدة لا يستدلون أصلاً، وإذا استدلوا فإنما يستدلون تبعاً لقول من قلّدوه فالأصل عندهم قول المقلَّد لا الدليل .

وأما الذين يستدلون فقد انقسموا في طريقة الاستدلال إلى ثلاثة أقسام:

1ـ استدلال مبني على ترجيح الراجح من الأقوال الفقهية بالدليل الصحيح، وهذا هو المسلك الصواب في الاستدلال . وأذكر مثالاً على ذلك ليكون أكثر وضوحاً .

ذكر النووي رحمه الله، قول الإمام مالك رحمه الله في جواز إفراد يوم الجمعة بصيام .

فقال: قال الإمام مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن به يُقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه .

قال النووي: فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، ثم قال: والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره . [ شرح مسلم 8/19 ] .

2ـ استدلال مبني على الترجيح من الأقوال الفقهية بالمصلحة .

وهذا ما عليه كثير من الحركيين في هذا العصر تحقيقاً للمرونة في العمل الإسلامي ـ زعموا ـ فهم لا يتعصبون لمذهب ـ إلا إذا كان التعصب للمذهب هو عين المصلحة ـ وإنما يعتبرون أن الفقه الإسلامي بجميع مذاهبه مصدر للأخذ والعمل بلا تقيد بمذهب معين، بل للعامل أن يأخذ من المذاهب الثابتة نسبتها لأصحابها ما فيه تحقيق المصلحة .

وهذا المسلك خطأ لأنه يؤدي إلى جواز العمل بالقول المرجوح إذا كانت مصلحة العامل تقتضي ذلك، ولا شك أنه لا يجوز تحقيق المصلحة التي يكون الدليل الصحيح على خلافها، لأنها تكون عندئذٍ وهماً لا مصلحة شرعية، كما ذُكر ذلك في ضابط العمل بالمصلحة ومتى يجوز اعتبارها . [ شرح القواعد الفقهية للزرقا 209 ـ 210 ] .

بل يجب على العامل أن يطلب الحكم الراجح والدليل الصحيح .

3ـ استدلال خطأ وهو ما خرج عمن لم يستجمع شروط المستدل الفقيه .

وهذا كثير في ساحتنا الإسلامية، لا سيما وأن أكثر الذين يقودون الساحة إما محامون أو مهندسون أو مثقفون عموماً، فالمثقف ولو علم شيئاً من الثقافة الإسلامية إلا أنه يُعدُّ من عوامّ المسلمين الذين يجب أن يكونوا خلف أهل العلم لا أن يتقدموا عليهم .

وإن المفكر وإن كان يملك قدرةً  على طرح فكرةٍ معينةٍ وتقرير أمر ما، إلا أنه لا يجوز أن يُعدَّ من العلماء، وفي ذلك يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله:

( وقد فُتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنّوا أنّ من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض ) [ بيان فضل السلف ] .

ومن أمثلة الاستدلال الخاطئ، الاستدلال ببعض القواعد، كالاستدلال بناءً على قاعدة: ( لا يُنكر تغير الأحكام  بتغير الأزمان ) وربما توصلوا تحت ستار هذه القاعدة إلى إباحة كثير من المحرمات .

وهذه قاعدة من حيث أنها دليل إجمالي، فهي قاعدة صحيحة، وهي تستند إلى قول عائشة رضي الله عنها: » لو علم رسول الله e ما أحدثت النساء بعده لمنعهن المساجد كما مُنِعت نساءُ بني إسرائيل « .

إلا أن لها ضوابط تضبط العمل بها، فمن ضوابطها:

1ـ أن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان، هي الأحكام المبنية على العرف والعادة، لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناءً على هذا التغير يتبدل العرف، وبتغير العرف تتغير الأحكام المبنية عليه .

 [ الشريعة الإسلامية د. صبحي الصالح 102 ] .

2ـ ومن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان، الأحكام التي يُراعى فيها الجري على حكمة التشريع مع عدم تحديد الشريعة للوسائل والأساليب فيها .

بل إن الشارع ترك تحديد الوسائل والأساليب مطلقةً لكي يُختار منها في كل زمان ما هو أصلح وأنجح مع مراعاة مقاصد الشريعة .

3ـ وأما الأحكام المستندة إلى أدلة شرعية ولم تُبن على عرف وعادة، فإنها لا تتغير، وذلك:

أ ـ كأصول المحرمات، كالخمر، والميسر، والربا، والوسائل المفضية إليها .

ب ـ أصول الكفر والشرك وما كان مفضياً إليهما، كبناء المساجد على القبور، والسكن مع المشركين، والتشبه بالكفار .

ومن أمثلة الاستدلال الخاطئ، الاستدلال بقاعدة المصالح والمفاسد بلا ض&