مجلة البحث العلمي: إعلان المجلة المحكمة
    القائمة الرئيسية
  • الصفحة الرئيسة
  • المكتبة الإسلامية
  • صوتيات
  • فتاوى
  • مطويات
  • مقالات
  • تزكيات
  • معادلات
  • إتصل بنا
    معهد الإمام البخاري
  • تعريف بالمعهد
  • النظام الداخلي لوقف البخاري
  • المقررات الدراسية
  • أخبار المعهد
    المجلات
  • مجلة البحث العلمي
  • روضة البخاري
  • موضوعات نصرة النبي
    روابط
    سجل الزوار
  • أكتب كلمة في سجل الزوار

التوكل على الله

التوكل على الله

بين

النظرية والتطبيق

 

إعداد

د/ سعد الدين بن محمد الكبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التعريف بمفردات البحث:

التوكل في اللغة: من الوكْل، يقال: وكل بالله وتوكل على الله: إذا استسلم إليه .

والاسم: الوكالة، بفتح الواو وكسرها .

والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على الغير .

والاسم: التكلان، ويطلق على الرجل فيقال: المتوكل(1).

والنظرية: من النظر، وهو الفكر في الشيء إذا قدرته وقسته(2).

والتطبيق: أصله من الطبق، وهو غطاء كل شيء، والطبق من كل شيء: ما ساواه، ومنها، قولهم للمرأة العاقلة إذا تزوّج بها رجل عاقل: ( وافق شن طبقة ) والمطابقة: الموافقة، والتطابق: الاتفاق(3).

 

المعنى الإجمالي للبحث:

وبالنظر إلى ما تقدم، فيكون المعنى الإجمالي لهذا البحث :

المقارنة بين التوكل النظري الفكري، والتوكل المساوي للحقيقة المطابق لها .

 

معنى التوكل في الشرع:

اختلفت عبارات العلماء في تعريف التوكل؛ فمنهم من يقول: التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكَّل، وهو الله تبارك وتعالى(4).

ومنهم من يجعله من باب المعارف والعلوم، فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد .

ومنهم من يفسّره بالسكون، وخمود حركة القلب، فيقول: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب، وهو ترك الاختيار، والاسترسال مع مجاري الأقدار . قال سهل: التوكل: الاسترسال مع الله مع ما يريد . ومنهم من يفسره بالرضا فيقول: هو الرضا بالمقدور(5). قال ابن القيم رحمه الله: وحقيقة الأمر، أن التوكل حال مركبَّة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، وكل أشار إلى واحدٍ من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر .

فأول ذلك معرفةٌ بالرب وصفاته من قدرته، وكفايته، وقيوميّته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة أول درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل(1).

وبعد ما سبق، بإمكاننا أن نعرِّف التوكل فنقول: هو علم القلب بكفاية الرب، واعتماده عليه، ورضاه بالمقدور .

 

أركان التوكل:

أركان التوكل ثلاثة: موكِّل ـ موكَّل ـ المادَّة التي وكلت أمرك فيها .

1ـ فالموكِّل: هو العبد الضعيف الفقير، وينبغي أن يُعلم أن التوكل لا يصح شرعاً إلا أن يكون صاحبه مسلماً، ـ بمعنى لا يؤجر عليه صاحبه ـ لقوله تعالى: ) وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ( .

2ـ الموكَّل: هو من استسلمت له وسلَّمت له الأمور، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق، الحي، القيوم، المدبِّر، المتصرّف، عالم الغيب والشهادة .

3ـ المادة التي وكَّلت أمرك فيها، وهي: الرزق ـ الشفاء ـ النجاح ـ النصر ـ وغير ذلك .

 

شروط يجب أن تتوفر في الموكَّل:

ولا يتوكل الإنسان على غيره إلا إذا اعتقد فيه أشياء:

1ـ الرحمة: مثال ذلك:

المرأة التي تكِل أمر ولدها للمرضعة لترضعه ـ وتسمى الظئر ـ إنما تفعل ذلك لعلمها أنها ترحم الأطفال وتشفق عليهم، ولو علمت منها خلاف ذلك، لما وكلت أم في العالم أمر طفلها إلى غيرها .

2ـ القوَّة: فالطفل عندما يحتمي بأبيه إذا خاف، لعلمه ـ بما أودع الله فيه من الفطرة ـ أنه أقوى منه، وهذا من البديهيات .

3ـ الهداية: فالطالب عندما يأخذ العلم من أستاذه، يفعل ذلك لعلمه أنه يهديه إلى الحقيقة، ـ ومعنى الهداية هنا: هداية الدلالة والبيان ـ أي أن الأستاذ يبيّن له الحق ويدله عليه .

4ـ القيام بالنفس: أي أنه غير محتاج إلى غيره، فالذي يتعرَّض للخسارة كيف يُتوكل عليه في جلب الرزق، والذي يتعرَّض للموت، كيف يُتوكل عليه في جلب نفعٍ أو دفع ضر .

وخلاصة الأمر، أن الموكَّل لا بد أن تتوفر فيه الرحمة، والقوة، والهداية، وأنه غير محتاج إلى غيره، حتى نتوكل عليه .

والمسلمون عندما يتوكلون على الله، فإنما يتوكلون عليه لعلمهم ويقينهم أنه أرحم الراحمين، فالله أرحم بعباده من الأم بولدها، ولذلك كان من أسمائه: الرحمن، على وزن فعلان كما يقال لمن امتلأ عطشاً: عطشان، أو امتلأ غضباً: غضبان، لإفادته الكثرة والامتلاء .

ولما كان الله تبارك وتعالى ـ ولا زال ـ ذا الرحمة الواسعة، كان من أسمائه: الرحمن.

وكذلك نتوكل عليه لعلمنا أنه ذو القوة المتين، كما نتوكل عليه لاعتقادنا أنه هدانا إلى صراط مستقيم، كما هدى كل مخلوقٍ لما يناسبه ويصلحه .

فمن الذي هدى المولود إلى ثدي أمه ؟

ومن الذي هدى السباع إلى أكل اللحم، والأنعام إلى أكل الحشائش و الأعشاب ؟

ومن الذي هدى الطير إلى صنع بيته بالطريقة التي يصنعها ؟

إنه الله، لذلك كان هو الإله الحق الذي ينبغي أن يتوكل عليه .

قال تعالى: ) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سُبُلَنا، ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ( [ سورة إبراهيم/ 12 ] .

 

فضائل التوكل:

لقد تواردت النصوص من الكتاب والسنة التي تبين فضل التوكل، فمن ذلك:

1ـ تحقيق الإيمان: فمن حقق التوكل فقد حقق الإيمان، قال تعالى: ) وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ( [ المائدة/ 23] . وقال تعالى: ) إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ( [ يونس / 84 ] .

فدلت هذه الآية على أن من توكل على الله فقد حقق الإيمان .

2ـ جلب محبة الله للمتوكل: قال تعالى: ) فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ( [ آل عمران 159 ] فمن توكل على الله فقد استوجب محبته .

3ـ أن من يتوكل على الله فهو في حفظه وكفايته: قال تعالى: ) ومن يتوكل على الله فهو حسبه ( [ الطلاق / 3 ] وقال: ) ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ( [ النساء 132 ] .

4ـ أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (( هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ))(1).

 

أحاديث أخرى في التوكل:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد S حين قالوا له: ) إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً

وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( ))(2).

وعن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ))(3).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت، فيقول الشيطان لشيطانٍ آخر: كيف لك برجلٍ قد هدي وكُفي ووُقي ))(4).

 

منـزلة التوكل من الدين:

التوكل على الله منـزلة من منازل ) إياك نعبد وإياك نستعين ( فهو من أنواع العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: ) وعلى ربهم يتوكلون (: ( أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب ) .

 

عقيدة أهل السنة والجماعة:

وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، أنهم لا يرجون إلا الله، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يستغيثون إلا به، وهم يقرؤون قول الله تبارك وتعالى: ) أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإِله مع الله ( [ النحل/ 62 ] .

ويقرأون قول الله تعالى: ) أليس الله بكاف عبده ( [ الزمر / 36] .

وإذا كان الله يكفي عبده، فلماذا يتوكل العبد على غيره، أو يطلب الحوائج من سواه ؟

 

مفاهيم خاطئة عن التوكل:

وقد أخطأ قوم طريق التوكل، فظنوا أن التوكل معناه: ترك العمل والتكسب، فتركوا الأخذ بالأسباب، وهذا ظن الجهال، فالعاقل لا يطلب الشبع من غير طعام ثم يقول: أنا متوكل !!!

ولا يطلب الولد من غير زواجٍ ووِقاع ثم يقول: أنا متوكل !!

فهؤلاء أُخذوا من جهلهم بحقيقة التوكل، فالتوكل على الله لا ينافي اتخاذ السبب، فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب التعبد باتخاذها، ولكنه لا يجعل السبب هو الذي يحقق النتيجة، إن الذي يحقق النتائج هو الله .

يقول ابن القيم رحمه الله: فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل، عدم الركون إلى الأسباب(1).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أكثر الناس توكلاً على الله، ومع ذلك لم يُخل بشيءٍ من الأسباب، فقد استأجر دليلاً مشركاً يدله على الطريق في الهجرة إلى المدينة، وكان يدَّخر لأهله قوت سنتهم، وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍ أو عمرةٍ حمل الزاد وهو سيد المتوكلين عليه الصلاة والسلام .

وفي مقابل هذه الطائفة، طائفة اعتمدوا على الأسباب وتركوا التوكل على الله رب العالمين . والفرق بين الطائفتين:

أن الذين اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه بقلوبهم، ولم يباشروا الأسباب، كان حالهم كحال الذي جلس في بيته وأغلق عليه بابه وفمه وقال:

إن قُدِّر لي الشبع فسوف أشبع وأحيا، واستمر على ذلك اليومين والثلاثة حتى مات متواكلاً جاهلاً عاصياً .

وأما الذين اعتمدوا على الأسباب، وتعلقت قلوبهم بها، وركنوا لها، وتركوا التوكل، كان حالهم كحال الذين ذهبوا ليقطفوا ثمار زرعهم، فأرسل الله عليها ريحاً دمَّرتها، قال تعالى: ) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم ([ القلم/9ـ20 ] .

فهؤلاء اتخذوا الأسباب من الحرث والبذر والسقاية والعناية، لكنهم ظنوا أن الأسباب وحدها تنشئ النتائج، ونسوا قدرة الله سبحانه، فلم يتوكلوا عليه، ولم يراعوا حقه، فأرسل على نتاجهم وثمارهم ما يحبطها ويبطلها ويجعلها كأنها لم تكن .

 

تبيين الطائفتين:

فالطائفة الأولى: جماعة من الذين سلكوا طريق الزهد بجهلٍ، وجعلوا الدين عبارةً عن رياضات بدنيةٍ وترَّهاتٍ صوفية، فأضروا أنفسهم، وأساؤا إلى الإسلام، ثم اتخذ الماديّون من هذه الطائفة مثالاً عقيماً عن الإسلام ودندنوا به في صفوف المثقفين .

والطائفة الثانية: جماعة من الماديين الذين أبهرتهم الصناعة الشرقية، والتكنولوجيا الغربية، فاستسلموا لها، وصار اعتمادهم على المادة والمحسوسات .

 

وقفة تأمل وسؤال:

ولا يسعنا في هذا المقام، إلا أن نسأل الذين أبهرتهم ضخامة الآلة والتكنولوجيا الحديثة المعاصرة المتقدمة:

ماذا أعدّ أصحاب الآلة لحماية آلاتهم من الصواعق والزوابع والرياح والزلازل التي يرسلها رب العالمين ؟

لماذا عجزت الآلة عن إيجاد حلٍ لرقع الخرق الذي حلَّ بطبقة الأوزون ؟

لماذا عجزت الآلات الإلكترونية والكهربائة الحديثة عن إيجاد علاجٍ لمرض فقدان المناعة " الأيدز " ؟

كل الذي توصلوا إليه الآن، ما هو إلا الوقاية، أما العلاج، فهم عاجزون، ولا يملكون جواباً لسبب هذا العجز .

أما نحن المسلمون، الآخذون بالأسباب، المتوكلون على الله في تحقيق النتائج، فجوابنا: أن مرض فقدان المناعة " الأيدز " عقوبة حلت بسبب، وهو الخروج عن القانون الإلهي في العلاقة بين الذكر والأنثى، واستبدال العلاقة الشرعية بالعلاقة المحرمة ( الزنا )، ومن المسلَّم به أنَّ ما نزل بسبب لا يرتفع إلا بارتفاع السبب .

ومن هنا تظهر عظمة الإسلام، فالإسلام عندما حرّم الزنا، إنما حرّمه لأن مفسدته راجحة، فالإسلام لا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة .

نعم .. ليس للبشرية قاطبةً غنىً عن التوكل على الله رب العالمين، وهذا هو اعتقاد المسلمين، لكن من المسلمين من يقول إنه متوكل على الله ثم إذا حلَّت به مصيبة رجا غيره، فهذا لم يستقم منه التوكل، وإنما كان توكلاً نظرياً فحسب .

 

أمثلة على التوكل النظري:

ومما يؤسف له، أننا نعيش في زمنٍ ضعف فيه اليقين على الله، فصار توكلنا على الله توكلاً نظرياً، لا وجود له في الحقيقة والخارج، إلا من رحم الله، وسأدلل على ذلك ببعض الأمثلة الحية التي نعيشها:

1ـ رجل مريض، يذهب إلى الطبيب للعلاج، فيصف له الخمر للتداوي بها، فإذا قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم ))(1). فالخمر داء وليست بدواء، فتوكل على الله واطلب العلاج المشروع، لعاجلك بالجواب وقال: ( يا أخي أريد أن أجرب لعله .... ) .

فنقول سبحان الله العظيم، أين هذا من قوله تعالى:

) وإذا مرضت فهو يشفين ( [الشعراء/80] فنحن وإن كنا نؤمن بالتداوي لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله عز وجل لم ينـزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم ))(1). لكننا نؤمن بأن الدواء سبب، والشافي على الحقيقة هو الله، وإنما يشفي الدواء بما أودع الله فيه من خاصيّة الشفاء، فلذلك نحن نأخذ الدواء وقلوبنا ترجو الله تبارك وتعالى، وتتوجه إليه بطلب الشفاء .

2ـ ومثال آخر: رجل يسأل فيقول: أنا أعمل في مؤسسة ربوية فما الحكم ؟ فنقول له: هذا العمل حرام، وكسبه حرام، فتوكل على الله وابحث عن عملٍ آخر، فيقول: أنا متوكل على الله، ولكن التوكل على الله لا يعني أنك تقطع برزقي !! .

إن هذا الجواب ليدل دلالةً واضحةً على ضعف التوكل عند هذا الإنسان، من يقطع برزق من ؟ وإذا قدَّر الله الرزق لإنسان فمن يستطيع أن يصرفه عنه ؟

فهل هذا الرجل متوكل على الله حقاً ؟

أين هو من قوله تعالى: ) وفي السماء رزقكم وما توعدون ([ الذاريات/ 22] ومن قوله تعالى: ) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( [الذاريات/ 58] ومن قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ))(2).

أرأيتم الدودة السوداء، تعيش تحت الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء، من يسوق لها رزقها ؟

الطائر عندما يخرج من بيته في البكور، لا يعلم أين رزقه، ومع ذلك يخرج آخذاً بالأسباب، متوكلاً على الله في تحقيق الرزق، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ))(3).

 

شبهة وجوابها:

وقد يقول قائل: مرضت، فتوكلت على الله في طلب الشفاء مع الأخذ بالأسباب فلم أُشفَ !

فالجواب: قد يبتلي الله بعض عباده من باب الاختبار والتمحيص، وذلك ليعلم الصابر الذي يصبر على ابتلاء الله من القانط الذي يقنط من رحمة الله . ثم المسألة من ثلاثة وجوه:

الأول: إما أن يحقق لك ما توكلت به عليه .

الثاني: وإما أن يكفِّر عنك من الذنوب مثله، وعليك أن تصبر .

الثالث: وإما أن يدّخر لك الأجر ليوم القيامة ويجعل جزاءك الجنة .

وقد أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أُصرع فادعُ الله لي، فقال: (( إن شئت دعوت لك، وإن شئتِ صبرتِ ولك الجنة )) فقالت: أصبر، ولكني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها(1).

 

أمثلة على التوكل الحقيقي:

ومن أجمل الأمثلة وأوضحها في التوكل على الله عند الأولين، توكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم:

1ـ إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أُلقي في النار، توكل على الله وقال: (( حسبنا الله ونِعم الوكيل )) فقال الله عز وجل للنار: ) قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ( . [ الأنبياء / 69 ـ 70 ] .

2ـ توكل أم موسى رضي الله عنها، عندما أمرها الله عز وجل أن تضع ولدها في الصندوق وتلقيه في اليم، قال تعالى: ) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليكِ وجاعِلوه من المرسلين ( [ القصص/7] .

فتوكلت على الله رب العالمين، وألقته في اليمّ، فأيُّ ثقةٍ تعدل هذه الثقة ؟ وأي توكلٍ هذا ؟ إنه توكل الصادقين .

ويقع الطفل الرسول في يد آل فرعون ) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحَزَناً إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين . وقالت امرأة فرعون قرّة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون . وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ( [ القصص/ 8 ـ 10 ] .

وجمعوا له المراضع، ولكن الله تبارك وتعالى لا يخيّب الآمال، آمال المتوكلين الصادقين، فعطّل الأسباب التي تحول بين الطفل وأمه، ) وحرَّمنا عليه المراضع من قبلُ ( [ القصص/12 ] فجاءت أخته وقالت: )هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون( [ القصص / 12 ـ 13 ] .

3ـ وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عرضوا عليه العروض مقابل أن يتنازل عن دعوته، وأن يسكت عن تسفيه آلهتهم، قال بلهجة الواثق بالله المعتمد على الله، المتوكل عليه: (( أترون هذه الشمس؟ )) قالوا: نعم، قال: (( ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة)) (1) .

ولما توعد المشركون بالجموع، وخوّفوه بكثرة الأعداء، لم يكترث لذلك، بل توكل على الله واستعان بالله، كما قال تعالى: ) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونِعم الوكيل ( [ آل عمران / 173 ] .

4ـ وهذا الصّدّيق رضي الله عنه عندما قدَّم كلَّ ما يملك في سبيل الله، سأله الرسول عليه الصلاة والسلام: (( وماذا أبقيت لعيالك )) فيقول بلهجة الواثق بالله المتوكل عليه: (( أبقيت لهم الله ورسوله))(2) .

5ـ وهذا عمر رضي الله عنه، يضرب في التوكل على الله أروع الأمثلة، وهو في موقع المسؤولية العظمى، يبرز هذا التوكل على الله والاستسلام له في نومه تحت الشجرة في الطريق، وهذا ليس تواكلاً، لأنه حقق الأسباب وقام بها ، ولا أقصد بالأسباب أنه أقام سوراً من الجند والحرس، ثم نام تحت ظل شجرة بحراسة الجند، بل إن الأسباب التي حققها عمر رضي الله عنه هي العدل بين الرعية، والسهر على حقوقهم ومصالحهم، حتى كسب ودهم وودادهم، وتوكل على الله .

وهذا المشهد لم يتكرر في التاريخ، ولذلك لما رآه صاحب كسرى دُهِش، وأنشد قائلاً:

 

وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بيــن الرعيــــــة عطـــلاً وهو راعيهــا

تحت ظل الــدوح مشتملاً ببــردةٍ كـــــاد طــــــــول العهــــد يبليهــــا

وعهده بمـلـوك الفــرس أنَّ لهـــا سوراً من الجنــد والحـراس يحميهــــا

أمِنت لما أقمت العـــدل بينهـــم فنمــــت نــــوم قريــر العيــن هانيهـا

قــد كــنت أعـــدى أعــاديهــــا فأصبحت بفضل ربك حصناً من أعاديها

 

6ـ وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه، يضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والبسالة، والإقدام، والجرأة، حيث كان يدخل في صفوف جيش الأعداء فيشقه نصفين، وذلك لعلمه واعتقاده أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذه مرتبة رفيعة في التوكل .

7ـ ولما حوصر المسلمون في منطقة جواثا في البحرين، في حروب الردة، وقد ارتد من ارتد من المسلمين بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يُسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مكة، والمدينة، ومسجد عبد القيس بجواثا البحرين، أنشد رجل من أهل جواثا ـ البحرين ـ يستنجد أبا بكر رضي الله عنه، مبيناً صبرهم وتوكلهم على الله، فقال:

ألا أبلغ أبا بكر رســولاً وفتيان المدينــة أجمعينـــا

فهل لكم إلى قوم كــرامٍ قعودٍ في جـــواثا محصَّرينا

كأنّ دماءهم في كل فــجٍ دماء البدن تغشى الناظرينا

توكلنا على الرحمن أنّــا وجـــدنا النصر للمتوكلينا(1)

 

 

خاتمــة

إن التوكل على الله عز وجل عبادة قلبية، ترتبط باعتقاد المسلمين، أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يرجون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، مع اتخاذهم الأسباب لا على أنها هي التي تنشئ النتائج، ولكن لاعتقادهم أنّ الله تعبدهم باتخاذها، وليس من سبيل المسلمين من يركن إلى الأسباب فلا يتحرك إلا من خلال المادة والمحسوسات، وينسى أن الله إذا شاء عطّل الأسباب وأوقف الحياة، فمن يمدهم ويمنحهم الحياة ؟

كما أنه ليس من سبيل المسلمين من يفرّط في الأسباب فيعطلها، ثم يزعم أنه متوكل، وهو في حقيقته متواكل كسول .

ويوم أن نعود إلى الله ونتوكل عليه حق التوكل مع اتخاذ الأسباب تعبداً، سيرزقنا الله من حيث لا نحتسب ويبدل ذلنا عزاً، وضعفنا قوةً، ويكفي أن يكون الله حسبنا ووكلينا، فنعم المولى ونعم الوكيل .

 

 

 



(1) القاموس المحيط للفيروز آبادي (1381) ومختار الصحاح للرازي (344) .

(2) القاموس المحيط (623) .

(3) نفس المصدر (1165) .

(4) مختصر منهاج القاصدين للمقدسي ( 363) .

(5) تهذيب مدارج السالكين لابن قيم الجوزية، تهذيب عبد المنعم العزّي ( 2/ 536 ـ 537 ) .

(1) نفس المصدر (2/537) .

(1) رواه البخاري (5705) ومسلم (220) .

(2) رواه البخاري (4563) .

(3) رواه الترمذي (2344) وهو صحيح .

(4) رواه أبو داود (5095) والترمذي ( 3426 ) وهو صحيح .

(1) تهذيب مدارج السالكين ( 2/ 539 ) .

(1) رواه البخاري في الأشربة ( باب شراب العسل والحلواء ) تعليقاً من قول ابن مسعود t، وبيّن الحافظ في الفتح ( 10 / 82 ) أن له شاهداً من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان .

(1) رواه الطيالسي، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة ( 518 ) وانظر صحيح الجامع ( 5558 ـ 5559 ) .

(2) رواه البغوي في شرح السنة ( 4112و4113) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2085) وهو جزء من حديث .

(3) رواه الترمذي ( 2344) وهو صحيح .

(1) متفق عليه .

(1) انظر السلسة الصحيحة للألباني (92) والسيرة النبوية الصحيحة د. أكرم العمري ( 1/ 160 ) وأما حديث: (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته )) رواه ابن إسحاق في المغازي وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة برقم (909) .

(2) رواه أبو داود ( 2/129 ) والترمذي ( 5/ 614 ) بسند حسن .

(1) شرح مسلم للنووي ( 1/ 202 ) .

  • الصفحة الرئيسة
  • ::
  • المكتبة الإسلامية
  • ::
  • صوتيات
  • ::
  • فتاوى
  • ::
  • تزكيات
  • ::
  • معادلات
  • ::
  • إخترنا لكم
  • ::
  • إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع معهد الإمام البخاري
يحق لك أخي المسلم الإستفادة من محتويات الموقع للإستعمال غير التجاري